أخبار العالم

دقة قلب.. رباب كساب تكتب: مدد يا أم العواجز


لسنوات طويلة كنت أخشى التعلق بالأشياء أو الأشخاص أو الأماكن. لا أنكر أن للأماكن سحرًا يجذبنى فلا أستطيع الفرار من شركها، الأماكن تترك بصمتها عليك، ولأننى أكره التعلق كنت أتحكم بشغفى وإحساسى، فلا أعطى الأمر أكبر من حجمه أو بمعنى آخر لا أتركه يكبر.

المكان لا يتبدل، أتبدل أنا ويتبدل الزمن ويتبدل التوقيت وهو باقٍ، المكان ليس بشخص يحكمه مزاجه ومشاعره وتقلبات الدنيا، المكان ثابت؛ لذا بت لا أخشى تعلقى بالأماكن، فهى أكثر أمانًا من امتلاك الأشياء أو صحبة الناس.

روايتى «على جبل يشكر» كانت عن بيت الكريتلية المكان الذى عشقته منذ أول زيارة، بقى يسكننى أعوامًا طويلة قبل أن أكتب عنه، تعددت زياراتى له وفى كل مرة كنت أشعر أنه يعطينى ما لم يعطه قبلًا، ومرت السنون وإذا بى أسكن بقربه وإذا بالجيرة تفتح باب الرواية ولا تغلقه إلا مع كلمة النهاية.

مدد يا أم العواجز، بركاتها حلت فأطلقت سيل الكلام والبحث، وبت أهيم بها وبحيها وبقطعة منها أحببتها وكتبت عنها، لكن لأول مرة أجرب شعور التعلق والفقد والألم؛ لقد تركت جوارها، فشعرت بمرارة البعد عن الوطن.

الجميع يتحدث عن التعلق بموطن الميلاد، أما أنا فتعلقت بحى سكنته وأنا فى سنوات عقدى الرابع الأخيرة، حى تمكن منى ومن مشاعرى، فبت أجوب حواريه وشوارعه ودروبه وأسواقه بحس عاشق متيم، يشعر بالأمان فى القرب، يحس بمعنى للوطن الذى يربت على القلب ويهدئ الروح، فتسير غريبًا آمنًا تعرف أنك سوف تصل غايتك بلا مشقة، فهذا موطنك يا غريب.

حى السيدة زينب لم يطلق فقط قلمى ليدخل عالم روايتى عن المكان الذى أحببته فيه، بل أطلق فىّ أنا مشاعرى التى سجنتها وقتل فكرتى عن التعلق، لقد علقنى به لدرجة أننى حين بعدت عنه بمسافة قريبة جدًّا شعرت بالفقد، وعرفت معنى أن يسكنك المكان وأن تصبح جزءًا منه، تعلمت السير ومحبة الاكتشاف وأنا هناك وحين يشتد الحنين أقترب أكثر وأكثر وأمشى هناك وأتذكر شارعى وبيتى الذى سكنته أول مرة، أتذكر الجيران وأطفال الحى الذين يذكروننى بى صغيرة فى بلدتنا، كانوا يلعبون نفس ألعابنا ويرددون نفس أغنياتنا، كنت أعقد جلسات مقارنة بيننا قديمًا وبينهم، أستقبل فرحتهم بمجىء رمضان وأتحمل دقات المسامير أعلى شباكى وهم يعلقون زينة رمضان، كنت أفرح معهم وهم يسيرون خلف المسحراتى ويجعلونه ينادى أسماءهم اسمًا اسمًا، هناك ما إن يعرفوا أنك تسكن الحى تصبح فى حمايتهم، فلا تجرحك نظرة ولا يقتحمك مغامر، عقد تم إبرامه دونما اتفاق وبلا محامٍ.

وفى يوم مولد السيدة كنت أأتنس بصحبة الأحباب المجاورين، أحباب السيدة.

هناك عرفت معنى للحياة غير ما عرفت، للشوارع التى لا تنام، لصحبة الأمان، ورأيت أناسًا يتفاخرون بأنهم ينتمون لهذا الحى بطريقة لم أشهدها قبل ذلك.

والآن حين تضيق بى الدنيا أجدنى أسير من بيتى الذى لا يبتعد كثيرًا إلى هناك لتضمنى الشوارع التى أحببتها، فأطمئن وأهدأ.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى